ماذا بعد 20 سنة من العمل في التكنولوجيا؟؟

في نفس هذه الأيام قبل 20 سنة (صيف 1997) بدأت حياتي المهنية بعد التخرج من الجامعة، اشتغلت قبل التخرج بأمور بسيطة ولكن في صيف 1997 بدأت العمل رسميا في الشركات والانضمام لما يتبع ذلك (ضمان اجتماعي، تأمين صحي، اشتراك نقابة.. الخ).

بداية اود ان اشكر كل من كان سبب في تحفيزي للعمل والتعلم المستمر وتفادي الأخطاء ومسامحتي على أخطائي التي ارتكبت (والتي قد ارتكب مثلها او غيرها حاضرا ومستقبلا). واشكر كل من كان سيء المعاملة، وصعب التعامل معه وكثير الكلام مما علّمني الكثير عن كيفية التعامل مع الزملاء والعملاء والمدراء (السيء والجيد). وارجو مسامحتي عن أي تقصير او تخبيص او التكلم فيما لا أعلم… لا يعني كل ما قلت أنى رح اتقاعد او أغيّر “الصنعة”، بالعكس لا زال امامي سنين طويلة من التعلم والاستفادة والإفادة ان شاء الله. وهذه “العشرين سنة خبرة” كما يتداولها الناس لا تتعدى 10 سنين حقيقية من المعرفة (إذا لم تكن أقل) وخاصة لمن يعمل بمجال البرمجيات والأنظمة والـ Automation.

هناك الكثير من الزملاء من هم أكبر مني عمرا ولهم مشوار طويل في العمل، كل التحية لهم وخاصة أنهم عاصروا التكنولوجيا في أيامها الأولى (قبل 1995).

المعظم يقول ان السنين تمر بسرعة ولكن شخصيا وجدتها تمر ببطء شديد خاصة في بعض “سنين العسرة” في حياتي المهنية.

كنت من المحظوظين، او “مرضي عليّ” من أمي، او من أي سبب تريد أن دخلت في مجال العمل فوراً بعد التخرج، وهذا شيء أحمد الله عليه دائماُ. وكان سوق العمل آنذاك يستقطب الكثير من المهندسين (بالمناسبة انا خريج هندسة كهربائية- تخصص حاسوب من جامعة العلوم والتكنولوجيا)، وبالتالي كان الحصول على وظيفة شبه سهل إذا كنت تعمل المطلوب في المقابلات و التقديم لشركات معينة.

باختصار شديد، هناك بضع نقاط استفدت منها خلال السنين الماضية

  1. السعي وراء المعرفة: وأحسن طريقة لعمل ذلك ان تلعب مع نفسك The devil’s advocate وتواجه نفسك بشخص يقول لك “ان لا تفهم شيء” وبالتالي يحفزك على الاستزادة من القراءة والتطبيق العملي لما تتعلم وان تعطي المجال لغيرك ان يبدي رأيه (حتى لو كان يتكلم بكلام غير منطقي) بحكم أنك تعتقد ولو بنسبة قليلة أنك على خطأ. و أهم ما يتطلب التركيز و “التهام” المصادر و الدورات و التطبيقات هي التي تتعلق بتكنولوجيا أساسية و منها لا للحصر: indexing, memory usage and allocation, data modelling, performance tuning, API implementation details, security and encryption and cyphering, error handling techniques الخ.
  2. السفر: لحسن حظي سافرت لأماكن كثيرة بداعي العمل، وهذا يفتح آفاق كثيرة للعمل والتعلم. واهم شيء التعرف على أشخاص أصحاب خبرة (اقل أو أكثر منك)، التعرف على طريقة تفكير الآخرين في العمل، بيئة العمل وما يمكن الاستفادة منها (مثل علاقة المدير بالموظفين، وكيفية صناعة “الاسافين” في بعض الدول😊). كنت محظوظ للسفر الى أوروبا واميركا عدّة مرات وكذلك الى معظم دول الخليج وحتى افريقيا، مما اكسبني صداقات ومعارف في العمل.
  3. السعي وراء الخبرة وليس المال: إذا لم و لا تحب العمل في “المبيعات” اسعى وراء العمل الذي يعطيك الخبرة الأكثر و لا تسعى للمكان الذي يعطيك زيادة بسيطة على الراتب. هذا الشعار الذي كنت استخدمه عند التفكير في الانتقال من شركة الى أخرى. قد أكون مخطئ في بعض اختياراتي لكن هذا لا ينفي صحة الشعار نفسه. وبالتالي الخبرة المتراكمة ستأتيك بالمال ولو بعد فترة (ويمكن فترة طويلة)
  4. الراتب والاعتماد عليه: في مجال التكنولوجيا، الشركات بشكل عام غير مستقرة ماليا… قد تكون تعمل في شركة ذات ايراد عالي (وتأخذ راتب ممتاز فيها) وفي فترة ما تتهاوى الشركة وتتهاوى انت معها وهذا وضع طبيعي ولا يجب ان تنزعج منه، وبالتالي أن تعتمد على انك تقبض مبلغ ثابت على مدى سنة (على اقل تقدير) قد يكون اتماد خاطئ. الراتب لن يشتري لك منزلا او سيارة، يمكن ان يوفّر لك دفعة أولى من قرض لكن ان تستطيع ان تشتري بيت من راتبك هذا شيء احتماليته بسيطة الا إذا كنت تعمل في مؤسسات well established مثل الأمم المتحدة او blue chip companies و حتى هذه ممكن ان تستغني عن خدماتك بعد فترة. الذي يمكن ان يؤمّن لك دخل ضخم هو المشاريع التي تعملها بنفسك لزبون قادر على الدفع. الكل يعلم أن هامش الربح في مشاريع البرمجيات يطوف حول الـ 30% من قيمة المشروع. أما ان تأمل أن يكون الراتب المصدر الشرعي والوحيد لدخلك المادي فهذا لا داعي له (مرة ثانية، هذا رأيي فيما يحصل معي، وقد لا ينطبق على غيري طبعا)
  5. المنتج Product أفضل من المشروع Project: أن تعمل على منتج أفضل واريح بكثير من العمل في المشاريع. ولكل منهما حسنات وسيئات طبعا. الملل هو اهم سيئة (بالنسبة لي) في العمل بالمنتج، لأنك تعمل على تنفيذ مواصفات features في المنتج الذي تعوّدت عليه، أما في المشاريع فالمواصفات specifications تتغير عند كل زبون. لكن من سيئات المشاريع أنها تعتمد على رأي الزبون وشخصيته والفريق الذي يعمل عنده، والشروط التعجيزية التي يضعها الزبون في وجهك (أو ما يسمى بالعامية “بيركبك”). أهم حسنة للمنتج أنه يعطي عملك Identity وحقوق فكريةIntellectual Property و ينمو المنتج مع الزمن (و مع عمرك😊) أما المشاريع فهي تقع ضمن ملكية الزبون.
  6. العلاقة مع الناس: بالملخص يجب أن تظل على علاقة طيبة مع الجميع، حتى مع أصعب الأشخاص. على مرّ السنين قد تتقاطع مصالحك (حتى خارج العمل) مع كل من تتعامل معهم، قد تقابل أحدهم على الطائرة، قد تقابل أحدهم يبحث عن شريك في السكن في الغربة، قد يبدأ أحدهم في إنشاء شركة و يحتاج الى خدمة منك (او العكس) … أن يكون لك أعداء في المهنة شيء غير صحي (حتى مع أسوأ الناس كما قلت).. طبعا في ناس لازم تمسحهم من دماغك نهائيا لا شك في ذلك (rm -rf *.*)
  7. الحياة الاجتماعية: حياتك الاجتماعية لا دخل لها في العمل، قد تعمل لساعات طويلة في المكتب او حتى في البيت واحتمال اثناء اجازتك، لكن لا تخلط العمل (وخاصة الكلام عن العمل) خارج حدود زملائك. يعني مثلاً أمك ما دخلها إذا “الداتابيس فاقعة”.
  8. اين ينتهي مستقبل المهنة في التكنولوجيا؟ ببساطة الجواب: لن ينتهي. قد يعتقد البعض ان الروبوتات والذكاء الاصطناعي سيحل محل المبرمجين والـ DevOps وهذا الاعتقاد خاطئ، بل بالعكس، الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف ومشاريع أكثر من قبل. نحن الان في السنين الذهبية لحمل شعار: write code that generates code وهذا الشعار قد بدا بالظهور منذ سنين ولكن سيتطور بشكل أكبر مع الزمن. المعنى: بدل ان تكتب برنامج محاسبة، المبرمج سيكتب برنامج ومهمة هذا البرنامج توليد المصدر (code) الذي يبني برنامج المحاسبة.
  9. رد الخدمة الى المجتمع: يجب رد “المعروف” للمجتمع الذي اعطاك الخبرة. بمعنى، الخبرة التي أخذتها جاءت بمجهودك الشخصي أولا، وثانيا من وقت ومال الآخرين (الحق العام على قولة المحامين).. ويكون رد “المعروف” للمجتمع في كثير من الاشكال والطرق مثل عقد ورشة عمل تطبيقية للغير، إعطاء نص مصدري source code للجميع على github او غيره، الإجابة على أسئلة على staackoverflow، تركيب شبكة وتعريفها لشركة ناشئة بالمجان، مساعدة مدير مشروع في فترة عصيبة من أي مشروع في وقت فراغك.. وغيرها من الطرق.

لا زال أمامي 20 سنة أخرى على اقل تقدير للعمل إذا ربنا اعطاني عمر، التكنولوجيا هي أحد أعمدة الحياة الان و لا مجال للتخلي عنها الان. كل نواحي الحياة الان مرتبطة بالتكنولوجيا ولو بشكل بسيط (يعني حتى لو بملف excel بسيط) والعالم يتجه الى الارتباط بالتكنولوجيا أكثر فأكثر

روابط متعلقة:

التقييم السنوي في شركات البرمجيات و الاتصالات

ما يقوله العلم و ما يفعله العالم

مهارات التواصل عند فريق العمل في مشاريع البرمجة- Communication skills

مقابلات مع حديثي التخرج- توقعات الشركات و أمال الخريج

 

Advertisements

2 thoughts on “ماذا بعد 20 سنة من العمل في التكنولوجيا؟؟

  1. يعطيك كل العافية يا خالد
    حلو + مفيد بكل تأكيد ال
    reflective thinking
    وشكرًا لمشاركتنا ببعض خلاصات ال 20 سنة الفائتة

    (المنتج أفضل من المشروع): ربما يكون أفضل ما خرجت به لليوم. متفق بشكل كبير جدًا على هذا السطر.

    وأعجبتني صناعة وتعلم الأسافين المحلية.. 🙂

    رغم أني بطرف شبه معاكس لتغلغل التكنولوجيا ضمن بيئات ومنظمات العمل إلا انني لا أملك إلا أن أقرّ بنفعها وأهميتها المتعاظمتين في حياتنا المهنية وكل دوائر الحياة الأخرى كمان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s